قديم 10-07-2010, 09:39 PM   #1
الدين الجديد
عضو
 
تاريخ التّسجيل: Jul 2010
المشاركات: 30
فقهاء الحوزة الاصولية يعملون بالقياس الشيطاني ح1

بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على محمد وعلي وفاطمة والحسنين والتسعة المعصومين
واللعنة الدائمة على اعداء الحجة بن الحسن الى يوم الدين



فقهاء الحوزة الاصولية يعملون بالقياس الشيطاني ح1

أولاً : القايس في زمن الرسول الخاتم وآله الاطهار (عليهم السلام =

كان القياس محرما في الدين الاسلامي على حسب الفكر الامامي فكان يحصر العمليات التشريعية في الكتاب والسنة الواردة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم تسليما) وكذلك اقوال الائمة الاطهار (عليهم السلام) باعتبارها امتدادا للرسالة ولهذا السبب فقد كانت المدرسة الامامية القديمة تحرم الاجتهاد بأستعمال القياس كأداة خارج النصوص مع وجود لمحاولات من أصحاب الائمة (عليهم السلام) للعمل بالاجتهاد القياسي ولكنها جوبهت من قبل أهل البيت (عليهم السلام) بالرفض والانكار فهذا محمد بن حكيم جاء يريد الرخصة بالقياس فنهاه الامام (عليه السلام) عنه وهذا مانقله علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن محمد بن حكيم ، عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) في حديث ، أنه قال له : ( ربما ورد علينا الشئ لم يأتنا فيه عنك ولا عن آبائك شئ ، فنظرنا إلى أحسن ما يحضرنا وأوفق الأشياء لما جاءنا عنكم فنأخذ به ، فقال : هيهات هيهات ، في ذلك والله هلك من هلك يا بن حكيم ، قال محمد بن حكيم : والله ما أردت إلا أن يرخص لي في القياس) الفصول المهمة في أصول الأئمة - الحر العاملي - ج 1 - ص 532
وكذلك سماعة بن مهران جاء الى ابي الحسن الكاظم (عليه السلام) يستأذنه في القياس فنهاه الامام (عليه السلام) ايضاً فقد جاء عن محمد بن عيسى بن عبيد ، عن يونس بن عبد الرحمن ، عن سماعة بن مهران ، عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) في حديث أنه قال له : ( يرد علينا الشئ الصغير ليس عندنا فيه شئ ، فينظر بعضنا إلى بعض وعندنا ما يشبهه فنقيس على أحسنه ؟ فقال : ما لكم وللقياس ، إنما هلك من هلك من قبلكم بالقياس ، ثم قال : إذا جاءكم ما تعلمون فقولوا ، وإذا جاءكم ما لا تعلمون فها وأومى بيده إلى فيه ) الفصول المهمة في أصول الأئمة - الحر العاملي - ج 1 - ص 532
وكذلك أبو بصير جاء يستشير الامام (عليه السلام) ويطلب الاذن منه بأستعمال النظر في استخراج حكم شرعي فنهاه الامام الصادق (عليه السلام) عن ذلك وروى هذه الحادثة الشيخ الكليني في الكافي وهو ماجاء عن أبي بصير قال : قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) : (ترد علينا أشياء ليس نعرفها في كتاب الله ولا سنة فننظر فيها ؟ فقال : لا ، أما إنك إن أصبت لم تؤجر ، وإن أخطأت كذبت على الله عز وجل ) الكافي - الشيخ الكليني - ج 1 - ص 56
أن هذا الرفض والانكار الذي شهده الاصحاب من الائمة (عليهم السلام) طيلة تلك السنين مادعا بعض الموالين الى تأليف الكتب في الرد على من عمل بالرأي أو القياس قبل الغيبة الصغرى وبعدها ، فقد صنف عبد الله بن عبد الرحمن الزبيري كتابا أسماه : ( الاستفادة في الطعون على الأوائل والرد على أصحاب الاجتهاد والقياس ) وصنف هلال بن أبي الفتح المدني كتابا في الموضوع باسم : - الرد على من رد آثار الرسول واعتمد على نتائج العقول -
وكان جملة من ثقات الفقهاء ينكرون الاجتهاد والرأي والقياس والاستحسان وأن هذه الأمور ليست من مذهب الإمامية بشيء ولهذا أنكروا على ابن أبي عقيل العماني وأبن الجنيد عملهم بالقياس إلى حد رفضوا فتاواهم مع أنهم من كبار الفقهاء الا ان تلك الفترة كانت تتسم بموالاة آل النبوة (عليهم السلام) الى حد رفض أي فقيه يتجرئ ويفتي على طريقة المخالفين وظل الحال على ماهو عليه آلى فترة بعد الغيبة ، وكان منتهى العمل الفقهي يدور داخل اطار القران ونصوص الروايات المروية عن النبي وآله الاطهار - عليهم السلام - ومعرفة العام والخاص والمطلق والمقيد وما شابه ، وكانت فتاوى الفقهاء القدامى ، كالمحدث الكليني ، المتوفى سنة ( 328 أو 329 ه‍ ) وغيرة من أصحاب هذه الطريقة ، مجردة عن الاراء الشخصية والاجتهادات والمقاييس بل كانت عبارة عن نقل نصوص روايات معتبرة نقلوها في كتبهم معتنين بها ومعولين عليها في أفتاء الناس فلم يرد عنهم أجتهاد ولم يرد في قولهم القياس وكان اصحاب هذه الطريقة يطلق عليهم اصحاب مدرسة الحديث والتي اشتهرت على يد الشيخ الكليني في عصر الغيبة الصغرى ولهذا السبب يكنى بالمحدث الكليني نسبة الى كثرة ما جمع وروى من احاديث اهل بيت النبوة (عليهم السلام) فقد كان للشيخ الكليني أثر بالغ في نشر مدرسة الحديث في المجتمع الامامي وهذا بسبب وجودة في عصر النواب أذ يتسم هذا العصر وما قبله من العصور بالاعتماد على الروايات والاحاديث الشريفة في معرفة الاحكام الشرعية فكان انشغال الموالين ان ذاك بجمع الاحاديث والروايات الصادرة من اصحاب العصمة واهل بيت النبوة -عليهم السلام- وذلك لمعرفة الاحكام فكان هذا العمل هو بمثابة واجب شرعي و تلبية لقول المعصوم واستجابة الاوامره ونواهيه.




ثانياً : القياس في زمن الغيبة :

بعد أن ذكرنا فيما تقدم من الكلام الرفض الرادع من أئمة الهدى (عليهم السلام) لكل أنواع القياس في شريعة رب العالمين وما أن غيب القوم أمامهم حتى ظهر لساحة المتشيعة مايعرف بالقديمين وهما ابن ابي عقيل العماني وابن جنيد _ ويعد العماني كما ذكرنا في مبحث الاجتهاد عند الشيعة صاحب الانقلاب الفقهي الاول في عصر الغيبة الكبرى حيث قالوا فيه : (هو أبو محمد الحسن بن علي بن أبي عقيل العماني الحذاء من أكابر علماء الإمامية وفقهائهم في القرن الرابع الهجري وهو أول من هذب الفقه واستعمل النظر في الأدلة وطريق الجمع بين مدارك الأحكام بالاجتهاد الصحيح في ابتداء الغيبة الكبرى) القواعد والفوائد - الشهيد الأول - ج 1 - هامش ص 280
وقالوا أيضاً : ( أول من هذب الفقه واستعمل النظر) نزهة الناظر في الجمع بين الأشباه والنظائر - يحيى بن سعيد الحلي - هامش ص 18/ الكنى والألقاب 1 / 190
وقالوا أيضاً : (وهو أول من هذب الفقه واستعمل النظر وفتق البحث عن الأصول والفروع في ابتداء الغيبة الكبري) منتهى المطلب (ط.ج) - العلامة الحلي - ج 1 - هامش ص 44
وذكر المرجع الشيخ محمد الفاضل اللنكراني في مقدمة كتاب مناهج الوصول إلى علم الأصول للسيد الخميني : ( أن أول من اعتمد على علم الأصول في مقام الاستنباط واستند إليه الشيخ الجليل حسن بن علي بن أبي عقيل ... وهو أول من هذب الفقه ، واستعمل النظر ، وفتق البحث عن الأصول والفروع في ابتداء الغيبة الكبرى ... ثم اقتفى أثره ونهج منهجه ابن الجنيد المعروف بالإسكافي) مناهج الوصول إلى علم الأصول - السيد الخميني - ج 1 - ص 13
وذكر الدكتور الشيخ عدنان ال قاسم في كتابه الاجتهاد عند الشيعة الامامية الاتجاه العقلي عند فقهاء الشيعة قائلاً : ( ويمثله علماء الفقه الذين يعتمدون على مبانيهم الأصولية العقلية , ولهم طريقتهم الخاصة بهم في الاستدلال الفقهي , وكانوا يستدلون بالعقل على كثير من الأمور ) الاجتهاد عند الشيعة الامامية – الدكتور الشيخ عدنان فرحان ال قاسم –ص97
وذكر من هؤلاء الفقهاء في المقام الاول (الحسن بن علي بن ابي عقيل العماني) وقال فيه : (وهذا العالم هو أول من أدخل الاجتهاد بشكله المعروف إلى الأبحاث العلمية) نفس المصدر
وكما ذكر ثناء الفقهاء عليه منهم الشيخ الطوسي والعلامة الحلي والسيد بحر العلوم وذكر أيضاً ان السيد البروجردي كان يتأسف كثيراً لعدم وصول كتاب العماني أليه(الاجتهاد عند الشيعة الامامية – الدكتور الشيخ عدنان فرحان ال قاسم –ص98 )

والملاحظ في هذا الشيخ كما ذكره الفقهاء في كتبهم وكما مر ذكره بأنه أول من استعمل النظر وأول من اعتمد الاصول في عملية الاستنباط كما انه اول من ابتدع الاجتهاد وفق المباني العقلية المنهي عن استعمالها بنص الروايات والتي ذكرناها فقد جاء عن أبي بصير أنه قال : قلت لأبي عبد الله الصادق (عليه السلام) : (ترد علينا أشياء ليس نعرفها في كتاب الله ولا سنة فننظر فيها ؟ فقال : لا ، أما إنك إن أصبت لم تؤجر ، وإن أخطأت كذبت على الله عز وجل ) الكافي - الشيخ الكليني - ج 1 - ص 56
أن اصحاب المصنفات نقلوا لهذا الشيخ فتاوى شذ بها عن غيره من الفقهاء منها ما نقله المحقق جعفر السبحاني حيث قال : - ينقل عنه فتوتان شاذتان ما أفتى بها غيره إلا قليل , كعدم انفعال الماء القليل بمجرد الملاقاة , ومن قرأ في صلاة السنن في الركعة الأولى ببعض السورة وقام في الركعة الأخرى ابتدأ من حيث قرأ ولم يقرأ بالفاتحة-
إن لآبن أبي عقيل فتاوى أُخرى شاذة , كالتالي :
أ‌- عدم وجوب طواف النساء .
ب‌- عدم أشتراط رضى المرأة في نكاح بنت أختها وبنت أخيها عليها . ) أدوار الفقه الأمامي – المحقق العلامة الشيخ جعفر السبحاني – طبعة دار الولاء – ص95

وقد أكد المحققون بانه اول من أستعمل النظر وبتدعة بحلول الغيبة الكبرى هو أبن ابي عقيل العماني والذي اقتفى اثره الجنيدي فأبن الجنيد وهو الشيخ محمد بن احمد بن الجنيد الاسكافي - المتوفي سنة 381 هـ وهو فقيه من فقهاء الامامية كما تذكره كتب الرجال كما أن له عدة كتب ورسائل حيث تبلغ مصنفاته - عدا أجوبة مسائله - نحوا من خمسين كتابا
أن هذا الشيخ قد دعم الانقلاب الفقهي الاول في عصر الغيبة فكان من أوائل المجتهدين من القوم ومن أوائل العاملين بالنظر لاصول المسائل الفقهية فكان يتعامل معها وفق القياسات الحنفية والاستنتاجات الظنية المنهي والمحضور أستعمالها في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) ولم يقف هذا الشيخ الى هذا الحد فحسب بل راح ينسب العمل بالرآى الى أئمة اهل البيت (عليهم السلام) لقد أحدث الشيخ محمد بن احمد بن الجنيد نقلة نوعية في التعامل مع الاحكام الشرعية فقد كان الفقه مقتصرا على الروايات المروية عن العترة الطاهرة (عليهم السلام) فلم يذكر التاريخ ولم تحدد لنا كتب الرجال من سبق هذين الشيخين في زج العديد من أراء ائمة المذاهب الاخرى الى مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) فقد أشار التاريخ والمعاصرين لهذا الشيخ على تبنيه القول بالاجتهاد مستعينا بالقياس والرآي ومعتمداً بذلك على الاستنتاجات الظنية التي أستعملها أئمة المذاهب الاربعة وأشتهروا بها وكان من جملة طلاب ابن الجنيد هو الشيخ محمد بن محمد بن نعمان المعروف بالشيخ المفيد الذي كان أول من تصدى لقياس استاذه ابن الجنيد وألف في رد أدعائاته الكتب والرسائل وقد يتفاجأ البعض عندما يعلم بأن الشيخ المفيد كان أحد تلاميذ ابن الجنيد المقربين وهذه الميزة يتميز بها الشيخ المفيد عن غيره من الذين ذكروا أجتهاد أبن الجنيد والرد على أستعماله للقياس والظن وسلوكه طريق المخالفين مما أهل الشيخ المفيد لمعرفة أرائة ومبانيه الاستدلاليه أكثر من غيره
لقد ذكر الشيخ المفيد في كتابة المسائل السروية ما ذهبت أليه أراء ابن الجنيد وسلوكة طريق المخالفين قائلاً : (فأما كتب أبي علي بن الجنيد ، فقد حشاها بأحكام عمل فيها على الظن ، واستعمل فيها مذهب المخالفين في القياس الرذل ، فخلط بين المنقول عن الأئمة عليهم السلام وبين ما قال برأيه ، ولم يفرد أحد الصنفين من الآخر ) المسائل السروية - الشيخ المفيد - ص 73
قام الشيخ المفيد بقيادة حملة للتأليف كان هدفها رد أراء ابن الجنيد وبيان خطأه ونحرافه عن نهج ال محمد (عليهم السلام) فعارضه وحارب طريقته في الاستدلال وخطأه في موارد عديدة فقد كتب الشيخ المفيد جملة من الكتب والرسائل التي رد بها أراء أستاذه أبن الجنيد منها المسائل الصاغانية ، والمسائل السروية ، ورسالتان الأولى في رد المسائل المصرية باسم نقض رسالة الجنيدي إلى أهل مصر ، والأخرى باسم النقض على ابن الجنيد في اجتهاد الرأي .
وكان الشيخ المفيد في غاية الصراحه وشدة اللهجة في رد تلك الأفكار حتى ظن البعض أن ذلك منه - رحمه الله - ليس لصراحة لهجته ، ولكنه كان يرى بأنه لا طريق إلى إصلاح العلم ودوام الدين إلا بالشدة معهم ، وإلا لاندثرت معالم الدين .
ومن جملة مؤلفات الشيخ المفيد التي جاء بين سطورها الرد على الجنيدي كتاب المسائل الصاغانية فقد كان الهدف من تأليف هذا كتاب هو الرد على أحد مشايخ الاحناف في نيسابور الذي ألتقى بالشيخ محمد بن احمد بن الجنيد وناظرة بمسائل عديده وكان للشيخ الحنفي طعون على مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) وبعد فتره أشتهرت هذه المناظر مما دفع الشيخ المفيد الى تأليف كتاب المسائل الصاغانية الذي أحتوى الرد على شبهات الشيخ الحنفي وكذلك الرد على ماقاله ابن الجنيد لهذا الشيخ .
ومن المسائل التي تناقش الشيخ الحنفي مع ابن الجنيد مسألة زواج المتعة وأستعمل الشيخ الحنفي القياس بأثبات بطلان هذا الزواج فنتصر على أبن الجنيد في هذه المسأله ولم يرد الجنيدي على قياسات الشيخ ونقل الشيخ الحنفي قول ابن الجنيد في نهاية النقاش فقال ( وتشاغل بالثناء على أصحابنا القائسين ، وقال : فلأجل قولكم بمثل هذا المقال على أصحابي قلت بالقياس ، وخالفت أصحابي كلهم في اعتقادهم فيه ) المسائل الصاغانية - الشيخ المفيد - ص 61
فرد الشيخ المفيد أدعاء الشيخ الحنفي على أبن الجنيد قائلاً (مع أنه لو كان الجنيدي قد قال بما حكيت عنه ، ولم يرد فيه ولم ينقض ، فهو من جنس ما كنا ننكر عليه من الهذيان ، وليس علينا عهدته في غلطه ، لما قد بينا خطأه وزايلناه ) المسائل الصاغانية - الشيخ المفيد - ص 61 – 62
وشهد الشيخ الحنفي على الجنيدي بالجهل فرده الشيخ المفيد وشهد - أي الشيخ المفيد - على أنحراف الجنيدي عن نهج آل محمد (عليهم السلام) قائلا : ( فأما شهادتك بجهل الجنيدي ، فقد أسرفت بما قلت في معناه وزدت في الإسراف ، ولم يكن كذلك في النقصان ، وإن كان عندنا غير سديد فيما يتحلى به من الفقه ومعرفة الآثار ... فأما قوله بالقياس في الأحكام الشرعية ، واختياره مذاهب لأبي حنيفة و غيره من فقهاء العامة لم يأت بها أثر عن الصادقين ( عليهم السلام ) ، فقد كنا ننكره عليه غاية الإنكار ، ولذلك أهمل جماعة من أصحابنا أمره واطرحوه ، و لم يلتفت أحد منهم إلى مصنف له ولا كلام ) المسائل الصاغانية - الشيخ المفيد - ص 58 – 59
نقول أن شهادة الشيخ المفيد بعدم جهل الجنيدي حقيقة واقعة فقد يتصور البعض ان الذي يستعمل القياس والاجتهاد ليس من ذوي الثقل العلمي وقد يعبر عنه بأنه - اي اصحاب القياس والاجتهاد – ليسوا من ذوي العقول السليمة وهذا غير صحيح البتة فهم ليسوا بجهلاء ولكنهم أستخدموا عقولهم بمواضع قد نهاهم الله ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم تسليما) عن الخوض فيها فابعدتهم عن الحق وقربتهم من أمام القياس أبليس عليه لعنة الله وملائكته والناس أجمعين .
لقد اصبح اليوم قياس ابليس (لعنة الله عليه) قاعدة اصولية تدرس في مدارس الفقه والاصول- انظر اصول الفقه محمد رضا المظفر - مع قولهم بان الامام قد حرم القياس ولكنهم استثنوا انواعاً من القياس منها مايعرف بقياس منصوص العلة وقياس الاولوية والقياس المنطقي ومايعرف أيضاً بتنقيح المناط التي أعتبرها الفقهاء عندهم ولقبوها بالقياس الشرعي كما انكر عليهم جملة من الفقهاء الماضين هذا القياس منهم الحر العاملي في كتاب وسائل الشيعة حين ذكر قول أبي عبد الله ( عليه السلام ) حين قال : ( إن السنة لا تقاس ، ألا ترى أن المرأة تقضي صومها ، ولا تقضي صلاتها ، يا أبان ان السنة إذا قيست محق الدين ) ثم عقب الحر العاملي على هذه الرواية قائلاً : - أقول - فيه وفي أمثاله - وهي كثيرة جدا - دلالة على بطلان قياس الأولوية-
وقد افرد الحر العاملي باباً في كتابة الفصول المهمة في أصول الأئمة ج 1 - ص 531 تحت عنوان( عدم جواز العمل بشئ من أنواع القياس في نفس الأحكام الشرعية حتى قياس الأولوية -
واورد عدة روايات تذم القياس منها ماروي عن أبي شيبة الخراساني قال : سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول -إن أصحاب المقاييس طلبوا العلم بالمقاييس فلم تزدهم المقاييس من الحق إلا بعدا وإن دين الله لا يصاب بالمقاييس-
ان الامام قد ذكر في هذه الرواية المقاييس وهي جمع قياس كما هو بين وبهذا فان الامام يعلم بانه هنالك عدة انواع للقياس ومع ذلك قد ذمها كلها بقوله (فلم تزدهم المقاييس من الحق إلا بعدا وإن دين الله لا يصاب بالمقاييس(
وعلى العموم لم يكن ابن الجنيد قد عمل بالقياس فحسب بل زاد في ذلك باتباعه لمنهج المخالفين لآل البيت (عليهم السلام) فقال بالرآي وعمل بالظن فرد عليه الشيخ المفيد في المسائل السروية قائلاً : ( وأجبت عن المسائل التي كان ابن الجنيد جمعها وكتبها إلى أهل مصر ، ولقبها ب‍ - المسائل المصرية ) وقال المفيد وجعل الأخبار فيها أبوابا ، وظن أنها مختلفة في معانيها ، ونسب ذلك إلا قول الأئمة (عليهم السلام) فيها بالرأي : وأبطلت ما ظنه في ذلك وتخيله ، وجمعت بين جميع معانيها ، حتى لم يحصل فيها اختلاف ، فمن ظفر بهذه الأجوبة وتأملها بإنصاف ، وفكر فيها فكرا شافيا ، سهل عليه معرفة الحق في جميع ما يظن أنه مختلف ، وتيقن ذلك مما يختص بالأخبار المروية عن أئمتنا عليهم السلام ) المسائل السروية - الشيخ المفيد - ص 75 - 76
الى هنا نكتفي في بيان شهادة الشيخ المفيد ونقول ان شهادة الشيخ المفيد على قياس الجنيدي تعتبر من أعظم الشهادات لكونه معاصر للجنيدي وأحد تلاميذه المقربين وكذلك لوثاقته ومقربته من صاحب العصر والزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف) فقد تواترت الاخبار عن حياة الشيخ المفيد بأنه تلقى رسالتين من ولي العصر (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وخاطبه بها بالاخ الموالي وهذا ما يزيد من وثاقة هذا الشيخ وقدرة .
أن من عجائب الدهر وملفتات النظر المدح والثناء الذي حضي به هذا الشيخ الجنيدي من قبل اغلب فقهاء الامامية وزادو بالثناء عليه الى حد الوثاقة مع أعترافهم بانه كان يقول بالقياس وسلك طرق العامة في معرفة الاحكام واستدل بما أستدل به الاحناف فكيف يجتمع القول بالقياس الذي نهى عن أستعماله الرسول محمد (صلى الله عليه وآله وسلم تسليما) و آل محمد (عليهم السلام) والقول بالوثاقة وجلالة القدر فكيف يجتمع النقيضين وأذا حضي هذا الشيخ بالتكريم مع أستعماله للقياس فكان الاولى أن يحضى بهذا التكريم مكتشف القياس وشيخ القائسين أبليس (لعنه الله) وكان الاجدر بنا قبول آراء رؤساء المذاهب الاربعة وشمولهم بالتوثيق والثناء ! ان هذا التناقض قد جر ورائه تناقضاة عدة كان منها القول بالاجتهاد والتقليد وحجية العقل والاجماع وهذا الامور لم ترد في روايات اهل بيت العصمه (عليهم السلام) بل ورود العديد من الروايات عن الائمة الصادقين (عليهم السلام) تحرم هذه الامور التي اصبحت اليوم وبمرور الزمن من ظروريات المذهب ودعائم الدين بل انقلبت ابواب الكتب التي كانت تعقد لحرمة التقليد والاجتهاد ونبذ القياس والظن الى ابواب وجوب العمل بالتقليد والاجتهادات هذه الاجتهادات التي وصلت اليوم الى حد لم تصله الامم السالفة ولو بعثوا اليوم لتزودوا ببدعنا ما كانوا يجهلون
اقوال الفقهاء بحق ابن الجنيد :
ذكر ابن الجنيد في مؤلفات ورجال فقهاء الشيعة فوثقوه وقلدوه جلاله القدر وشريف المقام وصنفوه من وجوه الاصحاب واعاظم الفرقة و من أفاضل قدماء الفقهاء ، وأكثرهم فقهاً وأدبا وشهدوا له بعظيم العلم وكثرة التصنيف و التحرير وبالغوا في دقة نظره وقالو بانه اول من فتح باب الاستنباط وارجع المسائل الى اصولها ومع ذلك اقروا عمله بالقياس وعترفوا لجوئه الى الاجتهاد وعمله بالظنون مستعيناً بطرق العامة ومذاهب المخالفين وزادو في ذلك بانهم سمعوا ونقلوا عمله هذا من ثقات المذهب ولا ادري اذ كيف يكون ابن الجنيد ثقة وهو يعمل بالقياس ويقول بالرآي وكيف الاصحاب يقرون عمله هذا وهم ثقات فمن الثقة ومن هو غير الثقة !! فكيف يكون الثقة مخالف الاهل البيت (عليهم السلام) ومدرستهم وكيف الاصحاب يوثقون من خالف آل محمد (عليهم السلام) و من الذين وثقوا هذا الشيخ ورفعوا من قدرة ومقامه هو الشيخ الطوسي تلميذ الشيخ المفيد حين ذكره في الفهرست قائلاً : ("هو محمد بن أحمد الجنيد ، أبو علي الإسكافي ، وجه من وجوه أصحابنا ، ثقة جليل القدر ، صنف فأكثر ، إلا أنه كان يرى القول بالقياس ، فتركت لذلك كتبه ولم يعول عليها ( الفهرست للطوسي : 368
وكما ذكره النجاشي في رجاله والنجاشي كان معاصر للشيخ الطوسي وهو أيضاً احد تلاميذ الشيخ المفيد فقال : ( محمد بن أحمد بن الجنيد ، أبو علي الكاتب الإسكافي وجه في أصحابنا ثقة جليل القدر صنف فأكثر - ثم يذكر له كتبا عديدة ومسائل كثيره ثم يقول عنه بعد ذلك : - وسمعت شيوخنا الثقات يقولون عنه : إنه كان يقول بالقياس . وأخبرونا جميعا بالإجازة لهم بجميع كتبه ومصنفاته -رجال النجاشي - النجاشي - ص 388
وقال العلامة الحلي في ( الخلاصة ) (كان شيخ الامامية ، جيد التصنيف حسنه ، وجه في أصحابنا ، ثقة ، جليل القدر ، صنف فأكثر ... ) الى ان قال ( ... أنه كان يرى القول بالقياس وأنه لذلك تركت كتبه -
الله اكبر كبيرا على هؤلاء الفقهاء يخالفون ال محمد علانية الائمة يحرمون القياس ويصفون القائق بالضال ويشبهون قياسه بقياس ابليس اللعين والفقهاء يمتدحون القائس ويوثقونه ماهذه الحرب على ال البيت عليهم السلام ولاادري كيف تركت كتبة وهي معتمدة عند السيد المرتضى ويعمل بفتاواه ويزج بها في الاجماع والخلاف كما سيأتي .
وذكر أبن داوود الشيخ الجنيدي في رجاله قائلاً - محمد بن أحمد بن الجنيد يكنى أبا على كان جيد التصنيف حسنه إلا أنه كان يرى القول بالقياس فتركت كتبه لذلك ولم يتعول عليها- رجال ابن داود - ابن داوود الحلي - ص 161 - 162

وقال التفرشي في كتابة نقد الرجال : (محمد بن أحمد بن الجنيد : أبو علي الكاتب الإسكافي ، وجه في أصحابنا ، ثقة ، جليل القدر ، صنف فأكثر ، وسمعت بعض شيوخنا يذكر أنه كان عنده مال للصاحب عليه السلام وسيف أيضا ، وأنه وصى به إلى جاريته فهلك ، ذلك وسمعت شيوخنا الثقات يقولون عنه : إنه كان يقول بالقياس) نقد الرجال - التفرشي - ج 4 - ص 113 – 1114 والعجب العجاب هذا التناقض اذ يقولون انه يستعمل القياس ولكن هو ثقة وهذا ما يشابه قول النواصب ان سيدنا معاوية قتل سيدنا حجر رضا الله عنهم فهذا قول النواصب الا لعنة الله عليهم وعلى سيدهم معاوية
وهذا محمد علي الاردبيلي في كتابة جامع الرواة يذكر الشيخ الجنيدي فيقول : ( محمد بن أحمد بن الجنيد أبو على الكاتب الإسكافي وجه في أصحابنا ثقة جليل القدر صنف فأكثر ... كان جيد التصنيف حسنه الا انه كان يرى القول بالقياس فترك لذلك كتبه ولم يعول عليها كان شيخ الامامية جيد له تصانيف حسنة أخبرنا عنه الشيخ أبو عبد الله وأحمد بن عبدون قيل مات بالري سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة ) جامع الرواة - محمد علي الأردبيلي - ج 2 - ص 59
وهنالك طائفة اخرى من الفقهاء الذين ذكروا ابن الجنيد محاولين في ذكرهم له حجب وستر ما اتهم به من عمله المخالف لمدرسة اهل البيت (عليهم السلام) وبالرغم من الفارق الزمني بينهم وبينه محاولين ان يحملوه على محامل حسنة في نظرهم الخاص وفق ما تطور في المباني الفلسفية الخاصة بأصول الفقة الذي هو محل خلاف بين الفقهاء انفسهم الى يومنا هذا وعلى ايه حال كان من هذه الطائفة هو السيد مهدي بحر العلوم فقد ذكره في كتابه الفوائد الرجالية الشيخ قائلا ً : (محمد بن أحمد بن الجنيد . أبو على الكاتب الإسكافي ، من أعيان الطائفة ، وأعاظم الفرقة وأفاضل قدماء الامامية ، وأكثرهم علما وفقها وأدبا ، وأكثرهم تصنيفا وأحسنهم تحريرا ، وأدقهم نظرا ، متكلم فقيه ، محدث ، أديب ، واسع العلم ،) الى هنا ينتهي هذا الرثاء العظيم من السيد للشيخ الجنيدي والعجيب هو ما اتى بعد هذا الرثاء من قول شنيع فقال السيد ناقلاً عن اعاظم الاصحاب عمله بالقياس قائلاً : (وهذا الشيخ على جلالته في الطائفة ورياسته وعظم محله قد حكي القول عنه بالقياس ونقل ذلك عنه جماعة من أعاظم الأصحاب ومع ذلك فقد أثنى عليه علماؤنا ، وبالغوا في اطرائه ومدحه وثنائه . واختلفوا في كتبه : فمنهم - من أسقطها ومنهم من اعتبرها- الفوائد الرجالية - السيد بحر العلوم - ج 3 - ص 208
ان الغريب من هذا الكلام ومحط الاستفهام هو ان الاصحاب قد علموا ما ذهب اليه الرجل ومع ذلك فقد اثنو عليه وبالغوا في مدحه وثنائة فهل هذا عدل وان كان كذلك فلماذا لا نمدح ابي حنيفة النعمان فهو ايضا عمل بالقياس بل هو من نشر هذا المبدأ وزجه في الفقه واصوله والحق هو ان يُمدح ويُرثى كمدح ابن الجنيد ام ان ابن الجنيد يعتبر في نظر الفقهاء من قدامى فقهاء الامامية ولهذا السبب فأي فعل يصدر منه يعتبر فعلاً حسنا وغير قابل لتفسيقة حتى لو كان الشرك والكفر واي شيء اعظم من مقاله هذا الشيخ ونسبه الاجتهاد والرآي لآل البيت (عليهم السلام) فهذا قول شنيع ومدعاتاً لاسقاط وثاقته فكيف يمدح وهو هكذا
ان الاغرب من المدح هو جعل أرائ ابن الجنيد وفتاويه معتبره في الاجماع والخلاف فقد ذكر السيد بحر العلوم اول من جعل اراء ابن الجنيد في جملة الاجماع من القدماء السيد المرتضى الذي هو تلميذ الشيخ المفيد ولم يكتفي السيد المرتضى في زج فتاوى ابن الجنيد وجعلها في الاجماع والخلاف معتبرة فحسب بل كان يعتذر عند مخالفته في بعض المسائل الخلافية وهذا بحد ذاته يشير الى نقله نوعية في التعامل مع المسائل الفقهيه عقبت الشيخ المفيد وكانت بوادر هذه النقله قد بدأت بالفعل على يد السيد المرتضى كما مر في مبحث الاجتهاد وعلى العموم قال السيد بحر العلوم ذاكرا من اعتبر اقوال ابن الجنيد من القدماء فقال : (وممن يحكي قول ابن الجنيد ، ويعتبر ما في الاجماع والنزاع من القدماء السيد الأجل المرتضى ، فإنه قد أكثر النقل عنه والاعتذار عن مخالفته في بعض المسائل) الفوائد الرجالية صفحة 211
وذكر السيد بحر العلوم المتأخرون او قل المعاصرون له ممن جعلوا اقوال ابن الجنيد في جملة الاجماع والخلاف في المسائل الفقهية قائلاً : ( وأما المتأخرون من أصحابنا كالشهيدين والسيوري وابن فهد والصيمري والمحقق الكركي وغيرهم ، فقد أطبقوا على اعتبار أقوال هذا الشيخ والاستناد إليها في الخلاف والوفاق ، حتى أن الشهيد الثاني في ( المسالك ) - في مسألة حرمان الزوجة - أورد على السيد المرتضى بأن الأوفق بمذهبه القول بعدم الحرمان مطلقا - كما ذهب إليه ابن الجنيد ) الفوائد الرجالية212
فمع ماتقدم من كلام السيد بحر العلوم من وثاقة هذا الشيخ وجلالة القدر مع قوله بالقياس ولم يكتفي هذا الشيخ من القول بالقياس بل نسب الى الائمة (عليهم السلام) القول بالرآي وهذا يسقط وثاقته ولهذا السبب أتجه السيد الى تسائل مهم قائلاً : (ويتجه - هنا - سؤال ، وهو : إن المنع من القياس من ضروريات مذهب الإمامية ومما تواترت به الروايات عن الأئمة ( عليهم السلام ) فيكون المخالف في ذلك خارجا عن المذهب فلا يعتد بقوله ، بل لا يصح توثيقه ، إلا أن يراد : إنه ثقة في مذهبه - كما يقال ذلك في مثل الفطحية والواقفية والمخالفين من العامة - وأعظم من ذلك : ما حكاه المفيد - رحمه الله - عنه من نسبة الأئمة ( عليهم السلام ) إلى القول بالرأي ، فإنه رأي سيء وقول شنيع ، وكيف يجتمع ذلك مع القول بعصمة الأئمة ( عليهم السلام ) وعدم تجويز الخطأ عليهم - على ما هو المعلوم من المذهب - وهذا القول - وإن لم يشتهر عنه إلا أن قوله بالقياس معروف مشهور قد حكاه المفيد - رحمه الله - والشيخ السروي في ( معالمه ) ونقله النجاشي - رحمه الله - عن شيوخه الثقات وقد يلوح ذلك - أيضا - من كلام السيد المرتضى عند نقل أقواله ) الفوائد الرجالية صفحة 214
واخيرا قال السيد بان هذا الشيخ قد زلت له قدم في امر القياس قائلاً : (والظاهر أنه قد زلت لهذا الشيخ المعظم قدم في هذا الموضع ، ودعاه اختلاف الأخبار الواردة عن الأئمة(عليهم السلام) إلى القول بهذه المقالة الردية والوجه في الجمع بين ذلك وبين ما نراه - من اتفاق الأصحاب على جلالته وموالاته وعدم قطع العصمة بينهم وبينه حمله على الشبهة المحتملة في ذلك الوقت لعدم بلوغ الامر فيه إلى حد الضرورة )) الفوائد الرجالية صفحة 215
ولا أدري كيف يمكن ان نحمله على الشبهة وأن حملناه فلماذا ترك الشيخ المفيد كتبه ؟ ولم يلتفت الاصحاب لمصنف له ولاكتاب ؟ بل وألف الشيخ المفيد الكتب والرسائل في رد أراءه وفتاويه ولماذا لم يحمله محمل الشبهه ؟ هذه التسائلات سوف تتبين لنا في قرائة المراحل التي مرت بعد هذا الشيخ والتي كانت سبباً لمدحه والتغزل بمقالته .

ومن الذين أستهجنوا التناقض الفاضح الذي وقع به ثله من فقهاء الاماميه وأخذ الباقون ينقلون كلامهم دون تمعن وتدبر كان هذا المتسائل هو المحقق البحراني حين نقل كلام الشيخ الطوسي وكذلك كلام العلامة الحلي والنجاشي حول قولهم بوثاقة ابن الجنيد وكذلك وصفهم أياه بانة كان يعمل بالقياس فقال - لا يخفى ما في كلامه وكذا كلام النجاشي قبله من الاشكال لأن وصفه بالجلالة والوثاقة مع نقلهم عنه القول بالقياس مما لا يجتمعان فإن أصحابنا مجمعون على أن ترك العمل بالقياس من ضروريات مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) لاستفاضة الأخبار بالمنع منه فكيف يجامع القول به الوثاقة ؟ وظاهر كلام الشيخ الجزم بذلك والنجاشي قد نقل عن شيوخه الثقات ذلك فكيف يصفه مع ذلك بما ذكره في صدر الترجمة ؟ وبالجملة فكلامهم هنا لا يخلو من النظر الواضح)الحدائق الناضرة - المحقق البحراني - ج 5 - ص 481
ولكن مع الاسف الشديد لم يحقق المحقق البحراني في هذه المسألة وأن كان هو أفضل من غيره فهو قد تسائل واجاب وعلى السامع والقارئ ان يفهم .
وأستمر هذا الحال وهذا المقال حتى جاء السيد الخوئي فنقل في رجاله عند ذكر هذا الشيخ قائلاً : (محمد بن أحمد بن الجنيد : يكنى أبا علي ، وكان جيد التصنيف حسنه ، إلا أنه كان يرى القول بالقياس ، فتركت لذلك كتبه ، ولم يعول عليها) معجم رجال الحديث ج15 صفحة 336
وذكر بعد هذه المقاله اعتراض حفيد الشهيد الثاني على كلام العلامة الحلي في وثاقة ابن الجنيد قائلاً : ( إن العلامة لا يخلو كلامه من غرابة ، لان نقل الشيخ أنه كان يعمل بالقياس ، وقول النجاشي عن ثقات أصحابه إنه كان يعمل بالقياس ، يدلان على اختلاف الرجل ، لان أصحابنا يقولون إن ترك العمل بالقياس معلوم بالضرورة ، فالقول به يضر بالاعتقاد ، ويوجب دخول الرجل في ربقة الفسق فضلا عن غيره ، فكيف يكون ثقة ، واحتمال كونه ثقة مع فساد العقيدة لا يلائمه نقل أقواله في المختلف ، فينبغي التأمل في هذا )) معجم رجال الحديث ج15 صفحة 336
وهذا التأمل مشروع فالتأمل بالمتناقض ليس بغريب على العقلاء وان كانوا لايتأملون فما فائدة عقولهم ولكن الغريب هو ماقاله السيد الخوئي معقباً على هذا الكلام ومحققاً له فقد قال بمقاله لم يسبقه أحداً في جرأتها فقد نسب عمل ابن جنيد بالقياس الى الاجتهاد ولا أدري أي اجتهاد هذا الذي يكون في قبال النصوص المتواترة بنبذ القياس ولنقراء ماقاله السيد الخوئي : (أن عدم جواز العمل بالقياس وإن كان من ضروريات مذهب الشيعة ، إلا أنه لم يعلم أن الشيخ كان عاملا بذلك ، فعمله بالقياس إنما كان حسب اجتهاده ، فهو معذور في ذلك ، ولو تنزلنا وقلنا إن عمله بالقياس يوجب فسقه ( ولا نقول بذلك جزما فهو لا ينافي وثاقته ) معجم رجال الحديث ج15 صفحة 337

ولمناقشة كلام السيد الخوئي يكون ذلك في عدة نقاط :
أولاً : كيف أنه لم يُعلم عمل ابن الجنيد بالقياس وقد شهد عليه تلميذه الشيخ المفيد بذلك وأقر السيد المرتضى وشيخ الطائفة الطوسي والنجاشي نقلاً عن ثقات الاصحاب بذلك أيضاً فضلا عن كتابه الكتب والرسائل على يد الشيخ المفيد في هذا المقام فهل كل هؤلاء كلامهم ليس بثقة عند السيد وان كانوا ثقات فلماذا يقول السيد بأنه لم يُعلم عمل ابن جنيد بالقياس ؟
ثانياً : هل يوصل اجتهاد المجتهد الى القول بما يعارض الروايات المتواتره ! فهل هذا من الدين بشيء ؟ ألم يلعن الامام الصادق (عليه السلام ) ابي حنيفة النعمان بسبب انه كان يقول قال علي وانا اقول وهذا يدلنا على ان كل من قال رأيه في قبال قول المعصوم فهو ملعون فضلاً عن فسقه وخروجه من المذهب .
ثالثاً : هل المجتهد في نظركم أن اخطأ فضلا على ارتكابه جريمة بحق المذهب يكون معذور في ذلك وما هو العذر وعلى أي نص أستندتم في هذه المقاله أم انه دليل عقلي كما تعبرون ولا ادري الى اين سيوصلنا العقل وأذا قدمنا العذر لقياس هذا الشيخ فلماذا لم يقدم الله العذر لقياس ابليس وهو ارحم الراحمين ولماذا لم يقدم الامام الصادق (عليهم السلام) العذر لقياس النعمان وهم أهل بيت الرحمة والحق يقال ان هذا المقام ليس فيه عذر ولا رحمة فأن عذرناه فقد شاركنا بمفسده في الدين ولا نقلبت الاحكام وندثر الاسلام كما حدث هذا بالفعل في تعاقب الاجيال وصولاً الى زماننا هذا.
رابعاً : كيف ان الفسق لاينافي الوثاقة والله تعالى يقول اذا جائكم فاسق بنبأ فتبينوا .. والايه صريحة بأن الفاسق غير ثقه وعلينا التحقق من أقواله فكيف الفسق لاينافي الوثاقه أذن ؟
وفي العموم أن كلام السيد الخوئي هذا لو تأملناه لوجدناه شئ طبيعي جدأ فقد مر زمن طويل والمسائل الفقهيه وأصولها في تطور مستمر كما يقول أصحابها فلا بد من الابتكار والاندثار فكم من أمور قد نكرها السابقون واليوم هي من المسلمات وكم من أمور بديهيه عند القدماء أصبحت اليوم وبمرور الزمن من المنسيات او المحرمات ولهذا المقام قال محمد جواد مغنية : ( أحدث المتأخرون قواعد فقهية جديدة ، وعدلوا كثيراً من القواعد القديمة فنفوا أحكاماً أثبتها المتقدمون، وأثبتوا أحكاماً لم يعرفها أحد مما سبقهم - مع الشيعة الإمامية – محمد جواد مغنية ص90
لم ينتهي السيد الخوئي من محاوله توثيق أبن جنيد الى هنا بل راح يشكك في نسبة كتاب المسائل السروية للشيخ المفيد الذي أحتوى الرد على ابن الجنيد قائلا : (إن نسبة هذا الكتاب إلى الشيخ المفيد - قدس سره - لم تثبت ، ولم يذكر النجاشي والشيخ له كتابا يسمى بالمسائل السروية نعم ذكر النجاشي له كتابا وهو النقض على ابن الجنيد في اجتهاد الرأي ، ولكن لم يعلم أن المراد به ماذا ، فلعل المراد النقض على قول ابن الجنيد بالاجتهاد بالرأي ، أي بجواز العمل بالظن ، ومما يؤكد عدم صحة هذه النسبة أنها لو صحت لذكرها النجاشي والشيخ ، فإن ما نسب إليه أعظم من قوله بالقياس ، فكيف لم يطلع على ذلك النجاشي والشيخ وهما تلميذان للمفيد - قدس سره ) معجم رجال الحديث ج15 صفحة 337
لانريد هنا أطاله النقاش ولا أستعراض نقاط ونكتفي بالرد على هذا الكلام بان النجاشي قد ذكر كتاب المسائل الصاغانية الذي هو موجود الى يومنا هذا بفضل الله وقد نقلنا منه كلام الشيخ المفيد في الرد على ابن الجنيد وقوله بالقياس قائلاً : ( فأما قوله بالقياس في الأحكام الشرعية ، واختياره مذاهب لأبي حنيفة و غيره من فقهاء العامة لم يأت بها أثر عن الصادقين ( عليهم السلام ) ، فقد كنا ننكره عليه غاية الإنكار ، ولذلك أهمل جماعة من أصحابنا أمره واطرحوه ، و لم يلتفت أحد منهم إلى مصنف له ولا كلام - المسائل الصاغانية - الشيخ المفيد - ص 58 – 59
أن هذه الاطاله في دراسة حقبة العماني و أبن الجنيد كان لنا بها قصد من قصد فأن هذين القديمين يعتبران عند فقهاء اليوم أول من فتح باب النظر في الفقه وأستنبط الفروع من أدلة العقلية مستعينين بماعليه مذاهب المخالفين كما قر بذلك الشيخ المفيد وهو تلميذ الجنيدي فكان هدفنا هو بيان حقيقة هذين الشيخين وبيان طريقتهما في الاستدلال وما ذهبا أليه وما قيل فيهم جراء مذهبهم من المعاصرين لهم فضلا عن طلابهم والمقربين منهم .
أن هذا التناقض الذي رأيناه عند الذين تناولوا حياة الجنيدي ما كان عفوياً بل كان مقصودا لتبرير ماعليه منهجية الفقه وأصوله اليوم فأن قيل ببطلان طريقة الشيخ أدى الى بطلان الاستدلال بالطريقة الاصولية لأن مؤسسه في المذهب باطل وما بني على باطل فهو باطل وأن قيل بصحة ما ذهب اليه أو محاوله تبرير أقواله كان هو المطلوب لدوام بقاء المقتفين لأثره فعليهم ان يقولوا وعلى الله ان يرضى
وهنا نجد تسائل يقول لماذا كل هذه الفتره أي من زمن المعصومين (عليهم السلام) الى ما بعد الغيبه الكبرى كان العمل الفقهي مقتصراً على نقل الروايات والاخبار فحسب ؟ لماذا لم تظهر الاصول المعمول بها اليوم في ذلك الوقت وأقتصر الائمة على اعطاء الاحاديث وحصر التشريع فيهم صلوات الله عليهم ؟ وما أغمضت الغيبة أعينها في نظرهم حتى أصبح القوم في راحة من الرقيب الذي كانوا يخافون خروج تواقيعه بالتفسيق لكل منحرف او مبتدع لبدعة هذه التواقيع التي لطالما خرجت في أناس يعرفونهم كما يعرفون أنفسهم .
القياس في المدارس الاصولية :

اجمع جمهور الأصوليين على حجية قياس الأولوية و قياس منصوص العلة وقياس تنقيح المناط ، وكذلك القياس المنطقي أو مايعرف بالاستقراء وسوف ناتي الان على بيان معنى كل من انواع المقاييس التي اقروها وما قال فيها الاصوليين :




أولاً : قياس الاولوية :
نشاء هذا القياس وتربى في مدرسة ابليس (علية اللعنة) كما استدل بذلك جملة من الفقهاء ومنهم السيد نعمة الله الجزائري حين استدل على بطلان قياس الاولويه وشبه بقياس ابليس (عليه اللعنة) قائلا : ( مباحثة جرت بيني وبين بعض علماء العامة ، فكان من جملتها : أنه سألني عن مذهب الشيطان في الأصول والفروع ، لأنه من أهل العلم . فقلت له : مذهبه في الأصول مذهب الأشعري وفي الفروع مذهب الحنفية ، فأخذه الغضب . فقلت له : لا تعجل لان كتاب الله الصادق أخبر به ، أما في الأصول : فقوله تعالى : ( فبما أغويتني لاقعدن لهم صراطك المستقيم ) فقد نسب الاغواء إلى الله تعالى . وأما في الفروع : فإباؤه عن السجود لقوله : ( خلقتني من نار وخلقته من طين ) حيث إنه عمل بالقياس ، نعم الفرق بين القياسين أن قياس الشيطان كان من باب قياس الأولوية وقياس أبي حنيفة من باب قياس المساواة ، وكم بينهما من التفاوت ، وإن اشتركا في عدم الحجية)زهر الربيع : ص 30
نعم ان قياس ابليس (عليه اللعنه) هو قياس الاولوية بعينه فكان ابليس يرى ان السجود لادم (عليه السلام) منقصة له لانه اولى بالسجود فقاس قياس اولوية بين ناريته وطينية ادم (عليه السلام) وهذا ماذكره الكتاب الكريم حين قال ابليس (عليه اللعنه) : (أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً) الإسراء61
فقاس ناريته بطينية أدم (عليه السلام) فقاده التكبر الى العمى فلم يستطع النظر الى الفرق الشاسع بين نورية النار ونورية نبي الله أدم (عليه السلام) ونجد هذا في قول الامام الصادق (عليه السلام) فقد جاء عن عبد الله القرشي قال : دخل أبو حنيفة على أبي عبد الله (عليه السلام) فقال له : ( يا أبا حنيفة ! بلغني أنك تقيس ؟ قال : نعم قال : لا تقس فإن أول من قاس إبليس حين قال : خلقتني من نار وخلقته من طين ، فقاس ما بين النار والطين ، ولو قاس نورية آدم بنورية النار عرف فضل ما بين النورين ، وصفاء أحدهما على الآخر) . الكافي - الشيخ الكليني - ج 1 - ص 58
ومن هنا نفهم ان العلة في احكام الله غير معلومة فلها ابعاد تفوق العقول البشرية التي اعتادت على فهم المسائل فهماً سطحيا فتبني على فهمها العقلي احكاماً كما بنى ابليس (عليه اللعنة) حكما ظاهريا في مسألة سجوده لادم (عليه السلام) مستخدما عقله كما سيأتي الكلام في قياس منصوص العلة فتأمل .
ومن الذين اقتفوا اثر ابليس وتعلموا من علومه الذين دأبوا على أعلاء كلمة القياس وجعلوه حجة من حجج الله على عبادة الا وهم أصحاب مدارس المخالفين على اختلاف مشاربهم فقد جعلوا للقياس انواعا واقساما ومن انواعة ماذكره صاحب البحر المحيط فذكر انواعا للقياس كما مر ذكره وقال في النوع السادس : ( مَا هُوَ أَوْلَى مِنْ الْمَنْصُوصِ ) البحر المحيط (6/239)
وقالو أيضاً : ( القياس في معنى الأصل ، وهو ما كان بإلغاء الفارق فلا يحتاج إلى التعرض إلى الجامع، وذلك كإلحاق الضرب بالتأفيف ) (معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة 1/175 )
ونحن هنا ليس في بيان مناقشة المخالفين في حجية القياس وحجية هذا النوع بالتحديد على اننا قد ناقشنا حجية القياس عند أهل السنة في المباحث السابقة ولايسعنا هنا الا القول بان هذا النوع من القياس قد نشئ وتربى بين شفتي ابليس (عليه اللعنة) ثم بعد ذلك دخل في مدارس المخالفين لآل محمد (عليهم السلام) وما ان كبر وشتد عوده حتى دخل في مدارس الحوزة عند غيبة الامام المهدي (عجل الله فرجه) وأصبح اليوم قاعدة يعتمد عليها ولاتجد فقيها الا ويذكر (الاولى) في كلامة سواءا في منبر الدرس او في جلسات السمر فتجدهم يقولون دائما ( كان من باب الاولى) و (كان الاولى بك) وما الى ذلك من البيان الذي يسحر السامعين مناقشة حجية قياس الاولوية :
ان حجية هذا القياس وضعت بدلالة تحريم التأفيف في الآية الكريمة قال تعالى (لاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً) الإسراء23
فستدلوا بالقياس على تحريم أنواع الأذى الزائدة على الـ (اف) اي من قبيل الضرب والشتم وغيرها فوضعوا قاعدة أصولية سموها بـ (قياس الاولوية) واخذوا يعتمدونها في المسائل الفقهية عامة .
كما انكر جمله من الفقهاء هذا النوع من القياس وقال به اخرون والذي انكرة قال فيه إنه منقول عن موضوعه اللغوي إلى المنع من أنواع الأذى ، لاستفادة ذلك المعنى من اللفظ من غير توقف على استحضار القياس حيث جاء عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال : ( أدنى العقوق أف ، ولو علم الله عز وجل شيئا أهون منه لنهى عنه ) . الكافي - الشيخ الكليني - ج 2 - ص 348
ويدل على عدم حجيته من الأخبار ما رواه الصدوق في من لايحضره الفقيه كتاب الديات وكذلك الكليني في الكافي والطوسي في تهذيب الاحكام عن أبان ابن تغلب أنه قال : ( قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ما تقول في رجل قطع إصبعا من أصابع المرأة كم فيها ؟
قال عشرة من الإبل .
قلت : قطع اثنين ؟
قال : عشرون .
قلت : قطع ثلاثا ؟
قال : ثلاثون .
قلت : قطع أربعا ؟
قال : عشرون .
قلت : سبحان الله يقطع ثلاثا فيكون عليه ثلاثون ، ويقطع أربعا فيكون عليه عشرون ؟ إن هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق فنتبرأ ممن قاله ، ونقول : الذي قاله شيطان .
فقال : مهلا يا أبان إن هذا حكم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إن المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية ، فإذا بلغت الثلث رجعت المرأة إلى النصف ، يا أبان إنك أخذتني بالقياس ، والسنة إذا قيست محق الدين ) من لا يحضره الفقيه - الشيخ الصدوق - ج 4 - ص 118 – 119 \ الكافي - الشيخ الكليني - ج 7 - ص 299 – 300 \ تهذيب الأحكام - الشيخ الطوسي - ج 10 - ص 184

ورواه البرقي في كتاب المحاسن ، وزاد - بعد قوله : ( إنك أخذتني بالقياس ) – ( إن السنة لا تقاس ، ألا ترى أنها تؤمر بقضاء صومها ولا تؤمر بقضاء صلاتها ) المحاسن - أحمد بن محمد بن خالد البرقي - ج 1 - ص 214
ولا يخفى عليك ما في الخبر المذكور من الصراحة في حرمة هذا النوع من القياس وذلك واضح في دية الاصابع الاربعة فكان الاولى , وفق قياس الاولوية , ان تكون الدية على الاصابع الاربعة المقطوعة من المراة اربعون ديناراً وليس عشرون وهذا ما أشُكل حتى على ابان ابن تغلب ونعت هو وأصحابة الذي يقول بان الدية عشرون بالشيطان وتفاجاء عندما سمع الحكم من ابي عبد الله الصادق (عليه السلام) وهذا وأمثاله خير دليل على بطلان مايسميه الفقهاء بقياس الاولوية .
ومن الاخبار الدالة على بطلان هذا القياس بالتحديد بل كل انواع القياس التي تستخدم في نفس الاحكام الشرعية مانقله الميرزا النوري في المستدرك عن القطب الراوندي في لب اللباب عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث أنه قال : ( اما لو كان الدين بالقياس ، لكان باطن الرجلين أولى بالمسح من ظاهرهما ) مستدرك الوسائل - الميرزا النوري - ج 17 - ص 264 - 265
وكذلك مانقله العلامة المجلسي والمحقق البحراني عن تفسير العسكري ( عليه السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) : ( يا معشر شيعتنا والمنتحلين مودتنا ، إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن ، تفلتت منهم الأحاديث أن يحفظوها ، وأعيتهم السنة أن يعوها ، فاتخذوا عباد الله خولا ، وماله دولا ، فذلت لهم الرقاب ، وأطاعهم الخلق أشباه الكلاب ، ونازعوا الحق أهله ، وتمثلوا بالأئمة الصادقين وهم من الكفار الملاعين ، فسئلوا عما لا يعملون فأنفوا أن يعترفوا بأنهم لا يعلمون ، فعارضوا الدين بآرائهم فضلوا وأضلوا . أما لو كان الدين بالقياس لكان باطن الرجلين أولى بالمسح من ظاهرهما) بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 2 - ص 84 \ الحدائق الناضرة - المحقق البحراني - ج 1 - ص 62
والملاحظ من قول أمير المؤمنين (عليه السلام) الصراحة في تحريم العمل بقياس الاولوية فقد ذكر بان الدين لو عمل بالقياس كان (الاولى) مسح باطن القدمين ومسح الباطن (أولى) من مسح الظاهر لما يتعرض باطن القدم للنجاسة اكثر من ظاهرة وهذا الحديث فيه دلالة صريحة على النهي عن العمل بقياس الاولوية .
ومن الروايات التي جائت بهذا الخصوص ما ورد من قول الصادق ( عليه السلام ) لأبي حنيفة : ( اتق الله ولا تقس الدين برأيك ، فإن أول من قاس إبليس ، إلى أن قال : ويحك أيهما أعظم ، قتل النفس أو الزنا ؟ قال : قتل النفس . قال : فإن الله عز وجل قد قبل في قتل النفس شاهدين ولم يقبل في الزنا إلا أربعة . ثم قال : أيهما أعظم ، الصلاة أو الصوم ؟ قال : الصلاة . قال : فما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة ، فكيف يقوم لك قياس ؟ فاتق الله ولا تقس )
والملاحظ ايضا من قول الصادق (عليه السلام) وأحتجاجة مع النعمان بان الاولى ان يكون في قتل النفس اربعة شهود بدلا من اثنين ولكن الشرع امر باثنين فسقط هذا القياس وكذلك في الصوم والصلاة فأن الاولى ان تقضي المرأة صلاتها لانها اوجب من الصوم ولكن الشرع أمر بالعكس فنكسر قياس الاولوية وضرب به عرض الجدار .
إلى غير ذلك من الأخبار التي يقف عليها المتتبع وقد دلت على كون ذلك قياسا ممنوعا في الشرع الاتيان به ، مع أنه قد استفاضت الأخبار عنهم (عليهم السلام) بالمنع عن العمل بالمقاييس بقول مطلق من غير تخصيص بفرد بل صار ذلك من ضروريات مذهب أهل البيت (عليهم السلام (فقد جاء عن أبي شيبة الخراساني قال : سمعت أبا عبد الله ( عليه السلام ) يقول : (إن أصحاب المقاييس طلبوا العلم بالمقاييس فلم تزدهم المقاييس من الحق إلا بعدا ، وإن دين الله لا يصاب بالمقاييس ) وسائل الشيعة - الحر العاملي - ج 27 - ص 43
وجاء عن الامام جعفر بن محمد الصادق ( عليه السلام ) انه قال : ( إن أمر الله تعالى ذكره لا يحمل على المقاييس ، ومن حمل أمر الله على المقاييس هلك وأهلك ، إن أول معصية ظهرت من إبليس اللعين حين أمر الله ملائكته بالسجود لآدم فسجدوا وأبى إبليس أن يسجد فقال : أنا خير منه فكان أو كفره قوله : أنا خير منه ثم قياسه بقوله : خلقتني من نار وخلقته من طين ، فطرده الله عن جواره ولعنه وسماه رجيما وأقسم بعزته لا يقيس أحد في دينه إلا قرنه مع عدوه إبليس في أسفل درك من النار ). وسائل الشيعة - الحر العاملي - ج 27 - ص 45 – 46
ان هاتين الروايتين وفي امثالهما المتكاثرة دلاله على بطلان كل انواع المقاييس . فما يظهر - من بعض فقهاء الشيعة من كون قياس الاولوية ليس من باب القياس ، مستندا إلى أن ما جعل فرعا على الأصل في الحكم أولى بالحكم من الأصل فكيف يجعل فرعا عليه ؟
اي اجتهاد في مقابلة النصوص أو غفلة عن ملاحظة ما هو في تلك الأخبار مسطور ومنصوص . على أنه يمكن الجواب عما ذكروه من الاخذ بهذا القياس بأن الحكم إنما ثبت أولا وبالذات بمنطوق الكلام للتأفيف ، لمنافاته لوجوب الاكرام للوالدين حيث جاء عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال : (أدنى العقوق أف ، ولو علم الله عز وجل شيئا أهون منه لنهى عنه)الكافي - الشيخ الكليني - ج 2 - ص 348
اذا علمنا بان الله قد نهى عن ماهو اكثر من الاف فلماذا القياس اذاً ؟ ولماذا هذه القاعدة الشيطانية الحنفية تكرم ويدافع عنها وتدخل في جملة ادوات المجتهد وقد يتسائل البعض بان هذه القاعدة ليس بها شيء على حسب المثال؟
نقول ان هذا المثال اخذه الفقهاء لاثبات حجية هذا النوع من القياس وقد ادخلوه في عملية استنباط الاحكام الشرعية فاثبتوا العديد من المسائل الفقهيه مستعينين به فلا يغرك المثال ولا يستدرجك الشيطان بحباله فمنها مايُرى ومنها مالايراه الا من انعم الله عليه وجعل له نوراً يستضيء به.
ومن جملة من انكر هذا القياس هو الحر العاملي في كتابه وسائل الشيعة حيث ذكر قول الامام الصادق (عليه السلام) حين قال : (إن السنة لا تقاس ، ألا ترى أن المرأة تقضي صومها ، ولا تقضي صلاتها ، يا أبان ان السنة إذا قيست محق الدين) فعقب على هذه الروايه قائلاً:
(أقول : فيه وفي أمثاله - وهي كثيرة جدا - دلالة على بطلان قياس الأولوية)وسائل الشيعة - الحر العاملي - ج 27 - ص 41
وانكر الحر العاملي قياس الاولويه في كتابه الفصول المهمة في أصول الأئمة أيضاً وعقد له باب سماه (عدم جواز العمل بشئ من أنواع القياس في نفس الأحكام الشرعية حتى قياس الأولوية ) فذكر فيه عدة روايات استدل بها على بطلان جميع انواع القياس منها ما جاء عن سماعة بن مهران ، عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) في حديث أنه قال له : ( يرد علينا الشئ الصغير ليس عندنا فيه شئ ، فينظر بعضنا إلى بعض وعندنا ما يشبهه فنقيس على أحسنه ؟ فقال : ما لكم وللقياس ، إنما هلك من هلك من قبلكم بالقياس ، ثم قال : إذا جاءكم ما تعلمون فقولوا ، وإذا جاءكم ما لا تعلمون فها وأومى بيده إلى فيه) الفصول المهمة في أصول الأئمة - الحر العاملي - ج 1 - ص 454
الى هنا نكتفي بهذا البيان لكي نتعرف فيما يلى الى القائلين بحجية قياس الاولوية من الفقهاء الامامية .

القائلون بحجية قياس الاولوية :
لقد حاول العديد من الفقهاء المعاصرين ايهام الناس بان قياس الاولوية ليس فيه خلاف ولا نزاع بل انه امر متفق عليه ومن جمله من قال بهذا الكلام هو الشيخ ناصر مكارم الشيرازي حيث قال : (إن من يقول ببطلان القياس يستثني قياس الأولوية ، فمثلا يقول تعالى : ولا تقل لهما اف ولا تنهرهما ونفهم بطريق أولى ألا نؤذيهما من الناحية البدنية . والآية مورد البحث من قبيل قياس الأولوية وليس لها ربط بالقياس الظني مورد الخلاف والنزاع)الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - الشيخ ناصر مكارم الشيرازي - ج 17 - ص 480
وأكد الشيخ محمد رضا المظفر في أصول الفقة على هذا النوع من القياس وقال بحجيته في مواضع عدة منها قوله : ( منصوص العلة وقياس الأولوية ذهب بعض علمائنا - كالعلامة الحلي - إلى أنه يستثنى من القياس الباطل ما كان " منصوص العلة " و " قياس الأولوية " فإن القياس فيهما حجة. وبعض قال : لا إن الدليل الدال على حرمة الأخذ بالقياس شامل للقسمين ، وليس هناك ما يوجب استثناءهما .
والصحيح أن يقال : إن " منصوص العلة " و " قياس الأولوية " هما حجة ، ولكن لا استثناءا من القياس ، لأ نهما في الحقيقة ليسا من نوع القياس ، بل هما من نوع الظواهر ) أصول الفقه - الشيخ محمد رضا المظفر - ج 3 - ص 202
والعجيب انه يقول ويسميه (قياس الاولوية) ثم يحاول أستغفال الناس بقوله (لأنهما في الحقيقة ليسا من نوع القياس) فهذا تناقض عجيب وقع فيه الشيخ فأنت الذي تقول قياس كيف ترجع وتقول بانه ليس بقياس .
وقال في موضع أخر : (أما قياس الأولوية : فهو نفسه الذي يسمى " مفهوم الموافقة " – الى ان قال- فهو حجة من أجل كونه ظاهرا من اللفظ ، لامن أجل كونه قياسا حتى يكون استثناء من عموم النهي عن القياس ، وإن أشبه القياس ، ولذلك سمي ب‍ " قياس الأولوية " و " القياس الجلي ) أصول الفقه - الشيخ محمد رضا المظفر - ج 3 - ص 204 - 206
وذكر السيد محمد تقي الحكيم هذا القياس قائلاً : (مفهوم الموافقة أو قياس الأولوية : وهو ما كان اقتضاء الجامع فيه للحكم بالفرع أقوى وأوكد منه في الأصل ، ومثاله ما ورد في الكتاب من النهي عن التأفف من الوالدين ( ولا تقل لهما أف ) القاضي بتحريم ضربهما ، وتوجيه الإهانة إليهما) الأصول العامة للفقه المقارن - السيد محمد تقي الحكيم - ص 317
نقول أن الذي يريد ان يبين شيئا شرعيا عليه أقامة الدليل على صحته او بطلانه ولكن العجيب عند الاصوليين انهم يرمون بالقواعد والقوانين على حسب عقلهم وفهمهم فأذا كان هذا القياس مستثنى من أنواع المقاييس التي لعنها الامام (عليه السلام) بالجملة لكان على الامام ان يبين بان هذا القياس ليس من انواع القياس المحرم بل ان فيه مرضاة الله وهذا مما لم يحصل البتة بل حصل العكس كما تقدم ذكره أما انكم تستدلون بأية من كتاب الله وتقولون بان الضرب والشتم بجاء بأولوية التأفيف فأن هذا المعنى مستفاض من معناه اللغوي وقد بين آل محمد وجدهم المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم تسليما) ماهو واجبنا تجاه الوالدين ولاحاجة لنا بهذا القياس فمع وجود قول المعصوم (عليه السلام) تسقط كل الاقوال اضافة الى ذلك ان أستدلالكم بهذه الاية جاء من تلقاء عقولكم القاصرة عن أدراك علل الاحكام وما هو أولى من غيره فأن تفسير القران بالرأي والعقل منهي بل محضور أستعماله في مدرسة آل محمد (عليهم السلام) فكيف جاز لكم وضع القواعد بما ترى عقولكم القاصرة أما قرأتم ماجاء عن الريان ابن الصلت ، عن علي بن موسى الرضا ، عن أبيه ، عن آبائه ، عن أمير المؤمنين ( عليهم السلام ) قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : قال الله جل جلاله : ( ما آمن بي من فسر برأيه كلامي ، وما عرفني من شبهني بخلقي ، وما على ديني من استعمل القياس في ديني ) وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي - ج 27 - ص 45
هنا نكتفي ببيان بطلان هذا النوع من القياس اللعين .

والحمد لله رب العالمين
الدين الجديد غير متصل   الرد مع إقتباس
المشاركة في الموضوع

خيارات الموضوع
طريقة العرض قيّم هذا الموضوع
قيّم هذا الموضوع:

قوانين المشاركة
You may not post new threads
You may not post replies
You may not post attachments
You may not edit your posts

BB code is متاح
كود [IMG] متاح
كود HTML غير متاح

الإنتقال السريع


جميع الأوقات بتوقيت السعودية. الساعة الآن » 12:24 AM.


Powered by: vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.